عدوان الاحتلال على الخليل… تصعيد عسكري بأهداف تهويدية

عدوان الاحتلال على الخليل… تصعيد عسكري بأهداف تهويدية
تقارير وحوارات

 

الاستقلال / معتز شاهين:

تشهد مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، تصعيدًا عسكريًا إسرائيليًا لافتًا، في ظل عملية أمنية واسعة أثارت مخاوف فلسطينية متزايدة حيال مستقبل المدينة ومقدساتها الإسلامية. وبينما يروّج الاحتلال لعدوانه باعتباره استهدافًا لما يسميه “البنية التحتية للمقاومة”، تكشف الوقائع الميدانية عن سياسة ممنهجة تهدف إلى إخضاع سكان الخليل، والتضييق على حياتهم اليومية، وفرض وقائع قسرية جديدة تخدم مشروعًا توسعيًا طويل الأمد.

ويذهب مختصون في الشأن الإسرائيلي إلى أن هذا التصعيد يندرج ضمن مخطط استيطاني أشمل، يستهدف تعزيز السيطرة على البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، وفرض نظام أمني خانق يهدف إلى إذلال السكان الفلسطينيين ودفعهم نحو الهجرة القسرية، تمهيدًا لمرحلة الضم وتكريس السيطرة الدائمة على المدينة.

ويؤكد هؤلاء المختصون، في أحاديث منفصلة مع صحيفة الاستقلال، أن تمسّك الفلسطينيين بأرضهم وصمودهم في وجه هذه السياسات من شأنه إفشال المخططات الإسرائيلية، معتبرين أن أي محاولة لتهويد الخليل أو تفريغها من سكانها الأصليين ستصطدم بإرادة شعبية راسخة وهوية وطنية عصيّة على الكسر.

يواصل جيش الاحتلال لليوم الرابع على التوالي عملياته في مدينة الخليل، شاملة إغلاق أحياء ومنع تجول، ما أحدث شللاً شبه تام في حياة نحو 40 ألف شخص، وعزل بعض الأحياء عبر سواتر ترابية ومكعبات أسمنتية، إلى جانب مداهمات وتفتيش للمنازل والمحلات التجارية، وفقًا لمصادر فلسطينية.

وأفادت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بتعاملها مع إصابتين لشابين جرّاء اعتداء بالضرب المبرح من قبل جيش الاحتلال خلال العملية في منطقة جبل جوهر. وذكرت بلدية الخليل أن قوات الاحتلال حولت منزلاً إلى ثكنة عسكرية وهدمت آخر بدعوى البناء دون ترخيص، فيما أعلنت مديرية التربية والتعليم تعليق الدوام في 18 مدرسة حكومية، و8 خاصة، و3 رياض أطفال نتيجة الإغلاق الشامل.

حجج واهية

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عمر جعارة أن العملية العسكرية التي ينفذها الاحتلال في مدينة الخليل لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً أمنيًا محدودًا أو طارئًا، موضحًا أنها عملية مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والميدانية والسياسية والنفسية، وتعكس توجهًا مدروسًا لإعادة تشكيل المشهد في المدينة.

ويضيف جعارة أن هذا العدوان يختلف جوهريًا عن العمليات العسكرية التي شنّها الاحتلال في مخيمات شمال الضفة الغربية، مثل جنين ونور شمس وطولكرم، لافتًا إلى أن الخليل تقع خارج النطاق الجغرافي لتلك المخيمات التي يسعى الاحتلال إلى تدميرها باعتبارها، وفق توصيفه، “شواهد دولية حيّة على جريمة النكبة”، ما يؤكد أن استهداف الخليل تحكمه اعتبارات توسعية وسياسية أعمق، لا مجرد ذرائع أمنية.

يوضح جعارة لـ "الاستقلال" أن استهداف المخيمات يندرج ضمن مخطط أوسع يهدف إلى تصفية قضية اللاجئين وإنهاء دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في محاولة لنفي الهوية الفلسطينية واعتبار الفلسطينيين مجرد "عرب" لا علاقة لهم بالأرض، وهو ما تصطدم به إسرائيل مع الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.

وحول ادعاءات الاحتلال بأن العملية تستهدف "البنية التحتية للمقاومة"، يشدد جعارة على أن هذه الذرائع لا أساس لها من الصحة، مؤكدًا أن الضفة المحتلة لا تضم أنفاقًا أو صواريخ، وأن الهدف الحقيقي من هذه العمليات هو تعكير الحياة المدنية للفلسطينيين، وإخضاعهم عبر الحصار والاقتحامات والترويع.

ويشير إلى أن انتقال العمليات العسكرية من شمال الضفة إلى جنوبها يعكس فقدان "إسرائيل" لتوازنها السياسي والأمني، وفشل سياساتها السابقة، لافتًا إلى أن أعين حكومة الاحتلال تتجه نحو الضفة الغربية أكثر من أي ساحة أخرى، باعتبارها "مدن الآباء والأجداد" وفق الرواية التوراتية.

ويعتبر جعارة أن ما يجري في الخليل وسائر مدن ومخيمات الضفة يندرج ضمن مشروع صهيوني أيديولوجي واضح، يقوم على نفي الوجود الفلسطيني، مؤكدًا أن الهدف الاستراتيجي لإسرائيل، كما يصرّح قادتها، هو إما طرد الفلسطينيين أو قتلهم.

تحطم الأهداف

بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي فايز السويطي أن العملية العسكرية التي ينفذها الاحتلال في مدينة الخليل تأتي ضمن السياسة الإسرائيلية القائمة على التوسع والضم وبسط السيطرة على كامل مناطق الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن الاحتلال يعمل بشكل ممنهج على زعزعة السلم الأهلي في البلدة القديمة، بما في ذلك تسريب السلاح، بهدف خلق فوضى داخلية تخدم أهدافه الأمنية.

يوضح السويطي في حديثه مع "الاستقلال"، أمس الأربعاء، أن انتقال العمليات العسكرية من شمال الضفة إلى جنوبها يهدف إلى إحكام السيطرة على جميع المناطق الفلسطينية، وإذلال مدينة الخليل تحديدًا قبل أن تستعيد دورها التاريخي والوطني، لافتًا إلى أن الخليل كانت تُعرف سابقًا بـ "الأسد الرابض"، ما يجعلها هدفًا مركزيًا في المخططات الإسرائيلية.

وبشأن المبررات التي يسوقها الاحتلال لعمليته العسكرية، يشدد السويطي على أن الخليل لا تشهد وجود مقاومة منظّمة مقارنة بمناطق شمال الضفة، معتبرًا أن هذه المبررات تُستخدم لتبرير العدوان، بينما الهدف الحقيقي يتمثل في سيطرة اليمين الإسرائيلي المتطرف على الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة، تمهيدًا لعمليات التهجير والضم.

ويشير السويطي إلى أن صمود الفلسطينيين وتمسكهم بالمدينة وهويتها الوطنية سيحول دون نجاح المخططات الإسرائيلية، فمحاولات السيطرة على البلدة القديمة وفرض أمر واقع تصطدم بمقاومة شعبية واسعة، ما يجعل أي مشروع للتهجير أو بسط السيطرة الكاملة على الخليل محكومًا بالفشل.

ويلف النظر إلى أن ما يجري في الخليل يمثل حلقة متقدمة في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي الهادف إلى تفكيك المدينة والسيطرة على مقدساتها، في إطار مخطط شامل يستهدف الأرض والإنسان والهوية الفلسطينية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق